
مفارقة القوة: التنقل في أزمة الكهرباء العراقية والطريق إلى الاستقرار
لعقود من الزمن، لم يكن الصوت التقليدي للصيف العراقي هو الموسيقى، بل الضجيج الجماعي المحيط لآلاف مولدات الديزل في الأحياء. على الرغم من امتلاك العراق لبعض أكبر احتياطيات النفط الخام المؤكدة في العالم، إلا أنه لا يزال عالقًا في أزمة كهرباء مزمنة. ساعات طويلة من تخفيف الأحمال اليومية (انقطاع التيار الكهربائي المتداول) تعطل الحياة اليومية، وتعيق الإنتاجية الصناعية، وتغذي السخط العام.
ومع ذلك، فإن أزمة الكهرباء في العراق ليست مجرد فشل في بناء محطات توليد الطاقة. إنها شبكة معقدة للغاية من فجوات البنية التحتية، والاعتماد الجيوسياسي، والهدر الهائل في النقل، وعدم تطابق متزايد بين الوقود المتاح وقدرة التوليد.
المشهد الحالي: السعة مقابل الواقع
لقد حقق العراق خطوات ملحوظة في توسيع بنيته التحتية الاسمية للطاقة. تشير وزارة الكهرباء العراقية إلى أن توليد الشبكة التشغيلية الفعلية للبلاد يبلغ حوالي 28,000 إلى 29,000 ميجاوات (MW).
ومع ذلك، خلال فترات الذروة الصيفية، عندما تتجاوز درجات الحرارة بشكل روتيني 45 درجة مئوية (113 درجة فهرنهايت) وتعمل وحدات تكييف الهواء على مدار الساعة، يرتفع الطلب الوطني الأساسي إلى ما يقدر بـ 40,000 إلى 45,000 ميجاوات. تضع بعض التوقعات حتى ذروة الطلب المطلقة بالقرب من 60,000 ميجاوات. هذا يترك عجزًا هيكليًا في العرض يتراوح بين 12,000 و 15,000 ميجاوات، مما يجعل تخفيف الأحمال المجدول حتمية رياضية لا مفر منها للشبكة الوطنية (الوطنية).
الخطط، خطوط الأنابيب، والمشاريع الضخمة:
قيد الإنشاء والخطط المعتمدة:
توسيع 10,500 ميجاوات: وافق مجلس الوزراء العراقي على خمسة مشاريع ضخمة لتوليد الطاقة باستخدام نموذج استثمار بناء-تملك-تشغيل (BOO) لمدة 25 عامًا. وتشمل هذه ثلاثة محطات رئيسية لإنتاج الطاقة المستقلة (IPP) تعمل بالدورة المركبة للغاز: الفاو (3,000 ميجاوات)، أبو غريب (3,000 ميجاوات)، وكركوك (1,500 ميجاوات)، بالإضافة إلى مشاريع حرارية في النجف (1,500 ميجاوات) واليوسفية (1,800 ميجاوات).
شراكات عالمية استراتيجية: تجري حاليًا اتفاقيات استراتيجية عميقة مع عمالقة دوليين مثل جنرال إلكتريك (GE Vernova) وسيمنز للطاقة. تستهدف هذه الخطط إضافة ما يصل إلى 24,000 ميجاوات من السعة الجديدة عبر محطات رئيسية مثل المنصورية الثانية، وحويجة، وتوسعات الدورة المركبة في ذي قار والسماوة.
رؤية متوسطة إلى طويلة الأجل: تهدف الدولة إلى دفع إجمالي سعة الشبكة إلى 48,000 ميجاوات بحلول عام 2028، مع خارطة طريق نهائية مدتها 20 عامًا تستهدف إضافة 57,000 إلى 60,000 ميجاوات من السعة التراكمية.
التحول الشمسي
إدراكًا لمخاطر الاعتماد على الوقود أحادي الثقافة، دخلت العراق مجال الطاقة المتجددة على نطاق المرافق. تخطط البلاد لتوليد 7,500 ميجاوات من الطاقة الشمسية بحلول عام 2030 من خلال 15 مشروعًا شمسيًا متخصصًا. وتشمل الخطوات البارزة الزيادة التدريجية لمحطة كربلاء الشمسية بقدرة 300 ميجاوات، والتي بدأت مؤخرًا في تغذية أول ميجاوات لها في الشبكة الوطنية.
لماذا لا تزال الشبكة تفشل؟ التحديات الأساسية:
إذا كانت العراق تمتلك ما يقرب من 29,000 ميجاوات من القدرة الإنتاجية وعشرات الآلاف الأخرى قيد الإنشاء، فلماذا تستمر انقطاعات التيار الكهربائي؟ تكمن الإجابات في أربعة تشققات هيكلية عميقة:
1. عنق زجاجة إمدادات الوقود ومفارقة الشعلة:
لقد أعطت توسعات الطاقة الحديثة في العراق الأولوية لمحطات الطاقة التي تعمل بالغاز لأنها أنظف وأكثر كفاءة. ومع ذلك، فقد تخلفت إنتاج الغاز المحلي كثيرًا عن قدرة التوليد.
ومن المفارقات أن العراق هي ثالث أكبر دولة في العالم تمارس حرق الغاز - حرق الغاز الطبيعي المرتبط باستخراج النفط عند رأس البئر كنفايات. تحرق العراق ما يقرب من 18 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا؛ إذا تم التقاط هذا الغاز المهدر ومعالجته، فيمكنه وحده تشغيل ما يصل إلى 33 جيجاوات من الكهرباء. ولأن هذا الغاز يضيع، تعتمد العراق بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي من إيران المجاورة لتزويد ما يصل إلى 40٪ من قدرتها الإنتاجية.
2. التقلبات الجيوسياسية والاقتصاد الكلي:
الاعتماد الهيكلي الثقيل على الوقود الخارجي يجعل العراق عرضة للصدمات الإقليمية. عندما تتقلب التوترات السياسية أو تحدث اضطرابات فنية، يمكن أن تنخفض تدفقات الغاز عبر الحدود فجأة. هذا عدم استقرار الوقود يضعف بشدة قدرة الدولة على الحفاظ على المشتريات الطارئة، مما يعرض المواطنين بشكل مباشر لانخفاضات مفاجئة في جهد الشبكة.
3. شبكة توصيل هشة وقديمة:
إن بناء محطة طاقة عديم الفائدة إذا لم تتمكن الشبكة من نقل الكهرباء إلى المنازل. تقدر معهد الطاقة العراقي أن ما بين 30٪ و 50٪ من الكهرباء المولدة تضيع أثناء النقل والتوزيع. عقود من الحرب، والأضرار الناجمة عن صراعات سابقة، وخطوط الطاقة المتقادمة تعني أن الشبكة المادية لا يمكنها فعليًا التعامل مع الحمل الكهربائي الكامل. علاوة على ذلك، فإن النقص الحاد في المحولات التوزيعية ومحطات المفاتيح الكهربائية العاملة يخلق أعطالًا محلية واختناقات في الشبكة.
4. عدم كفاءة التعريفة وتحصيل الإيرادات:
النموذج الاقتصادي لقطاع الطاقة في العراق غير مستدام بشكل أساسي. تدعم الحكومة الكهرباء بشكل كبير، وتبيعها بأقل بكثير من التكلفة الفعلية للتوليد. ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن ضعف القياس والسرقة الواسعة النطاق للشبكة يعني أن وزارة الكهرباء تاريخيًا تجمع جزءًا صغيرًا فقط من قيمة الطاقة التي توصلها. هذه الخسارة التجارية الضخمة تجرد الوزارة من رأس المال المطلوب للصيانة الروتينية، وإعادة الاستثمار في الشبكة، وتحديث الشبكة.
الطريق إلى الأمام: كيف يمكن للعراق التغلب على الأزمة:
للتحول من حلول مؤقتة إلى نظام بيئي للطاقة حديث ومستدام ذاتيًا، يجب على العراق اتباع استراتيجية متعددة الأوجه:
إعادة هيكلة شاملة لقطاع الكهرباء العراقي:
- الاكتفاء الذاتي من الوقود:
- التقاط الغاز المصاحب المحترق،
- توسيع حقل غاز عكاس والغاز الحر.
- إصلاح الشبكة:
- استبدال المحولات المحترقة،
- إعادة بناء محطات التحويل والنقل.
- الإصلاح التجاري:
- تركيب عدادات ذكية،
- تحسين تحصيل التعريفات.
تسريع مبادرات التقاط الغاز: إن أسرع طريق للعراق نحو الاستقلال في مجال الطاقة هو تحويل النفايات البيئية إلى كهرباء. إن إعطاء الأولوية للمشاريع التي تلتقط الغاز المصاحب للنفط وتعالجه وتوجهه إلى محطات الطاقة المحلية سيقضي على الحاجة إلى واردات الوقود باهظة الثمن ويعظم كفاءة التوربينات الغازية الحالية.
إعادة بناء وتحديث شبكة النقل والتوزيع: إن توليد 50 ألف ميجاوات لا معنى له إذا نصفها يتسرب عبر شبكة معطلة. يجب أن يكون الاستثمار متوازنًا بالتساوي بين بناء محطات توليد جديدة وتحديث خطوط النقل المادية بشكل منهجي، واستبدال المحطات الفرعية التالفة، وتوطين إنتاج المحولات.
فرض الإصلاح التجاري والعدادات الذكية: لكبح الطلب المتزايد وغير المنظم وبناء شبكة ممولة ذاتيًا، يجب على العراق تطبيق نظام فوترة قوي، والتحقق من سرقة الشبكة، وإدخال أنظمة العدادات الذكية. سيشجع التحول نحو التعريفات التصاعدية على الاستهلاك الواعي مع توفير الإيرادات اللازمة لصيانة البنية التحتية.
تعزيز الربط الإقليمي: بينما تنضج القدرة المحلية، فإن إكمال وتثبيت الربط الكهربائي عالي الجهد مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وتركيا سيوفر آلية موازنة حيوية لإدارة أحمال الذروة الصيفية وعزل البلاد عن صدمات الإمداد المفاجئة.
الخاتمة:
إن أزمة الكهرباء في العراق ليست لغزًا تقنيًا لا يمكن حله؛ إنها تحدٍ للبنية التحتية والإدارة ينتظر التنفيذ الهيكلي المستدام. من خلال الاستفادة من نماذج الاستثمار الحالية بنظام البناء والتشغيل والملكية (BOO)، والتقاط موارد الغاز المحترق بشكل فعال، وتحديث شبكة التوزيع الخاصة بها، يمكن للعراق أخيرًا إسكات هدير المولدات في الشوارع وتشغيل مستقبل مستقر ومزدهر.
#أخبار_الطاقة_العالمية #طاقة_العراق #قطاع_الطاقة #أزمة_الطاقة #البنية_التحتية #طاقة_الشرق_الأوسط #المرافق #تخفيف_الأحمال #انقطاع_التيار #أزمة_الكهرباء #حرق_الغاز #الطاقة_المتجددة #الطاقة_الشمسية_في_العراق #توليد_الطاقة #تحديث_الشبكة

كلما سافرت عبر المطارات وعرف العراقيون أنني متخصص في صناعة الطاقة، كان أول سؤال يطرحونه دائمًا هو: 'لماذا لا يزال العراق يعاني من انقطاع التيار الكهربائي وتقنين الأحمال؟' لطالما رغبت بشدة في تقديم إجابة ذات مغزى لهم. هذه المقالة هي ردي للشعب العراقي.